السرخسي
184
المبسوط
انه إذا لم يرجع الشهود والولي ولكن جاء المشهود بقتله حيا فان الدية تجب على عاقلة الولي والشهود ويتخير ولى القتيل في ذلك وهكذا ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وإنما تجب في مالهم إذا رجعوا لان وجوب ذلك بالاعتراف وإذا قضى القاضي بالدم بشهادة الشاهدين فلم يقتل حتى رجعا استحسنت ان ادرأ القصاص عنه وهو قول أبي حنيفة الآخر وكأن يقول أولا يستوفى القصاص وهو القياس لان القصاص محض حق العبد فيتم القضاء بنفسه والرجوع بعد القضاء لا يمنع الاستيفاء كالمال والنكاح فان القاضي إذا قضى بالنكاح ثم رجع الشهود لا يمنع استيفاء الوطئ على الزوج وإن كان في القصاص يحتاط في الاستيفاء فكذلك في الوطئ وجه قوله الآخر ان القصاص عقوبة تندرئ بالشبهات والغلط فيه لا يمكن تداركه فيكون بمنزلة الحدود فكما أن في الحدود لا يتم القضاء بنفسه ويجعل رجوع الشهود مع القضاء قبل الاستيفاء بمنزلة الرجوع قبل القضاء فكذلك في القصاص بخلاف المال فإنه يثبت مع الشبهات وبخلاف النكاح لأن العقد هناك ينعقد بقضاء القاضي ظاهرا وباطنا وهاهنا ما لم يكن واجبا من القصاص لا يصير واجبا بقضاء القاضي ولا بد من قيام الحجة عند الاستيفاء وأصل شهادة الشهود فإذا لم يبق حجة بعد رجوعهم يمتنع الاستيفاء وكل دية وجبت بغير صلح فهي في ثلاث سنين لأنها وجبت بالقتل وتقوم الدم بالمال ثابت شرعا بخلاف القياس وإنما قومه الشرع بمال مؤجل فكما لا يزاد في قدر ذلك بحال فكذلك لا يزاد في صفته بأن يجعل حالا وإذا شهد شاهدان بالدم فاقتص من القاتل ثم قالا أخطأنا إنما القاتل هذا لم يصدقا على الثاني لأنهما شهدا على أنفسهما بالقتل وغرما الدية للأول لأنهما رجعا عن الشهادة عليه ونحو ذلك مروى عن علي بن إبراهيم يعنى في السرقة ولو شهدا بدم على رجلين فقتلا بشهادتهما ثم رجع أحدهما في أحد الرجلين فعليه نصف دية هذا الرجل الواحد في ثلاث سنين ولا يضمن من دية الآخر شيئا لأنه لم يرجع عن شهادته فيه وقد بقي على الشهادة في حق الآخر من يقوم به نصف الحق فيجب على الراجع نصف ديته ولو لم يرجع وادعى عليه أولياء المقتص منه انه رجع وسألوا يمينه على ذلك فليس عليه يمين لأنهم لو أقاموا البينة عليه بالرجوع لم تقبل فكيف يستحلف عليه وهذا لان الرجوع في غير مجلس الحكم لا يتعلق به حكم فكانت هذه دعوى باطلة منهم وان رجع الشاهد فلزمه نصف الدية في ماله في ثلاث سنين فمات أخذ ذلك من ماله حالا لوقوع الاستغناء له عن الاجل بالموت وان